سقى الله مثواه ..
وصانا الله {وبالوالدين إحسانا ..} - ثروة الحي من دنياه لآخرته - و كان أبي. سواد عيوننا الأكثر إحساننا بنا . ظل المعلم الأول . بدفء احتوائه يتحفنا بذكريات صباه يسامرنا مستطردا في سرد الحكايا. عن طفولته وطفولتنا، عن كرمة جدي وأول أيام دراسته و العسكرية التي احتضن بها وطنا شاب على أسواره مدافعا عنه. واليوم الذكرى الأولى لوفاة ندبة القلب . لروح الغائب الحاضر فينا ألف رحمة وسلام .
مر عام وكأنه الأمس ! اختفى الزمن برحيله ، وبهت العالم بعيني . في شتاء كالشتاء وليلة أشد وآلم استودعناه الله . نام حبيبي ظهيرة السبت كحمامة سلام تتوسط الملائكة . نام من آخر عهدي به في غرفة رمادية أكثر ما تلمح بها شاشة سوداء تبث دقات قلبه ثانية بثانية . تنذرنا بقرب رحيله ، وبكل لحظة يسقط القلب منا وينهض بالتشهد والدعاء والدموع . النظرة الأخيرة لمن تحب تقتل تقهر وتذهب العقل . كنت يومها متشبثة بسريره محدقة بعينيه، مشدوهة لكل ما حولي أغمض عيني علني في حلم لأصحو، ولكن عبث.. على ما منحنا الله من الصبر يقصر الوعي عن تصديق الحادثة . من حينها و نوبات الحنين لا تنتهي فكل ركن وكل ذكرى تستدعي روحه " نوبة رحمانية" تقول امي ؛ ليظل يروي ظمأ لهفتنا لنظرة منه . ملحة البيت لا يرحل. يظل يسند أرواحنا حتى لو زائر في المنام . هي رحمة الله يبعث من نحب بأحلامنا.
اليوم أذكر شعرا لنزار، فأملأ رئتي باسمه. اسم حرمت من مناداته.
" أمات أبوك؟
ضلالٌ!
أنا لا يموت أبي."
كم قلتها بنفسي . التقيه بين السطور لأقبل جبينه. من كان يحتفل بالحياة وخضنا حربا طويلة لتظل أنفاسه بيننا. رحل . رحل مطاع مهاب بين أهله وعشيرته على أحب ما منحه الله من خلق . ليقول كل من عرفه سقى الله مثواه ..
